عين القضاة
مقدمة 58
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
وليس وجود الحق زمانيا حتى يحسن مثلا أن يقال : كان اللّه ولم يكن معه شئ . ولا يحسن أن يقال : يكون ولا يكون معه شئ . وإياك ثم إياك ألف مرة أن تطمع في الإحاطة بهذا الذي تسمعه بعقلك الذي نسبته من ادراكه نسبة الخفافيش من ادراك نور الشمس . فإما أن لا تلتفت إلى ما في هذا الفصل وأمثاله أصلا ولا تتلقاها بردّ ولا قبول ، وإما أن تحفظ هذه الكلمات . وسل اللّه - سبحانه - أن يخصّك بعين تدرك أمثال ذلك لا من اللفظ ، فإن ذلك محال ، بل من وجه آخر . فإن أدركته من هذا الوجه فحينئذ تعلم قطعا أن لا عبارة في الوجود تؤدى حق ما أدركته أحسن من هذا الذي ذكرته ، وتعلم قطعا أنّ من أودع أمثال تلك المعاني في الألفاظ المذكورة فهو ظالم غاية الظلم . فاعلم إنّا إذا قلنا : كان اللّه ولم يكن معه شئ موجود ، فهو متشابه ؛ فان لفظ كان يدل على وجود موجود في زمان ماض ؛ فإذا قلنا : ولم يكن معه موجود ، فكيف يكون الزمان معه موجودا ؟ ومهما كان كذلك فلا فرق بين قولنا : كان ولم يكن معه موجود ، وبين قولنا : يكون وليس معه موجود . فهذا غاية ما يمكن ذكره في مضيق الألفاظ والعبارات . الفصل الرابع والخمسون ( أزلية الواجب وأبديته : تتمة ) إذا انفتحت من باطنك روزنة إلى عالم الملكوت ، فكل ما اتفق طيرانك اليه ، شاهدت جليّة الحال في ذلك كله واستغنيت عن سماع حكايته . ولعلّك الآن تشتهى أن تعرف معنى الأزلية ، وكيفية الطيران إلى الملكوت ، فإن ظاهر ذلك كالمحال . فاعلم